نقطة زرقاء باهتة

........
من نقطةِ النظرِ البعيدةِ، قد لا تبدو للأرضْ أيّةُ أهميةٍ خاصة
ولكن بالنسبةِ لنا، الأمرُ يختلفْ تماما
أعد لتلك النقطة .... إنها هنا .... أنها الوطن .... إنها نحن
فعلا ... كلُّ من تحبْ، كل من تعرفنا علية
كل شخصٍ مر بذاكرتنا، كل... كل ... كلُّ شئ
وجد على مدى التاريخ، عاش حياته هناك، فهي محصلةُ كلِّ أفراحِه وأحزانِه
ألاف الأديانِ والمعتقدات والمذاهبِ مرت في الذاكرة وما زالت
كلُّ صيادٍ وفاعلٍ ... كلُّ ملكٍ وعامل ... كلُّ أمِّ وأبٍ
كلُّ بطلٍ وجبان.... كلُّ خالقٍ وهادمٍ لحضارة
كلُّ شابين عاشقين ... كل طفلٍ ذو أمل .... كل مخترعٍ ومكتشف
كلُّ ناشرٍ .... كلُّ سياسيّ فاسد ... كلُّ نجمٍ سينمائي
كلُّ قائدٍ عظيم ... كلُّ قدّيس وآثم
كلُّهم عاشوا هناك.... على ذرةٍ من غبار، عالقةٍ في شعاعٍ الشمس
ليست الأرضُ سوى بقعة صغيرة للغاية، في مسرحٍ كون عظيم
تفكر لوهلةٍ في أنهارِ الدماءِ التي
أراقها جنرالاتُ الحربِ وأباطرتَها
لينتصروا ويصبحوا أسيادً لحظيينَ ... على جزءٍ عشريّ من نقطة
تفكر لوهلةٍ بالقسوة التي ملأتْ قلبَ شعبٍ عاش على إحدى زوايا هذه
النقطة ... لينفذ ويتغلب على شعبٍ آخرَ ... عاش على زاويةٍ أخرى
منها بصعوبة نستطيع التمييز بينهما
كم كان جهلُهُم، وسوءُ فهمهم للآخر .... ؟
كم كان غرورهم، ليقتُل أحدُهم الآخر ..... ؟
كم كانت كراهيتُهم الشديدة وبغضَهم لبعضِهم البعضْ .... ؟
إنَّ نظرتَنا لأنفسنا، وتخيلَنا للوجودِ أهميةٍ لنا نحن البشر
كمركز للكون ..... إنَّ ذلك الوهم
بأن لنا مكانةَ خاصة، للاستحواذ على هذا الكون
كلُّها تعترضُها بقوةٍ ... نقطةُ الضوءِ الباهتِه تلك هي كوكبنا
، هو ومضةٌ وحيدة، في فراغٍ كوني مظلم.
خلال وجودنِا في هذا الظلام الهائل،
لا نمتلك أيَّ دليلٍ بأن مساعدةً ستأتي يوماً من الخارج
لإنقاذنا، من أنفسنا.
للآن ..... الأرض هو الكوكب الوحيد الذي يمكنه احتضان الحياة،
ولا يوجد أيُّ مكانٍ أخر على الأقل خلال الفترة القريبة
هذه يمكننا الرحيل إليه. ربما
يمكننا زيارة الخارج، أما البقاء خارجَ الأرض....
فليس ممكنٍ بعد سواءٌ أعجبتك الفكرة أم لا ....
هذا الكوكب: هو مصيرُنا
يقالْ : إنَّ دراسةَ الفضاءِ تعلِّمُ التواضعَ، وتبني صورةً
إنسانيةً في دارسِها.
بالنسبة لنا لا توجد أيّةُ طريقةٍ لإسقاطِ الصورةِ الوهميةِ المرتبطةِ بنا
كبشر، أفضلُ من النظر إلى هذه الصورة البعيدة، لكوكبنا الأرض.
بالنسبة لي
أن نتعامل بشكلٍ أكثرَ مودةً واحتراماً لبعضِنا البعضْ، لهو
مسألةٌ تتجاوز جميع المسؤوليات
وأن نحمي، ونحافظ على "النقطة الزرقاء الباهتة او الفاتحة
الوطن الوحيد.. الذي عرفناه.


التعليق مأخوذ من كتاب كارل بعنوان كوكب الأرض
من مصر