الحوار المفتوح مع
سليمان عبيدات
الشاعر نزار قباني
التنقيب عن الحب

منذ خمسين عاماً .
بدأت أعمال التنقيب عن الحب ...
في داخل الأنثى العربية ..
فقد كنت أعتبر الأنوثه
أهم من الذهب .. والماس .. والبلاتين ..
ومن كل المعادن الثمينه ..
كنت أعتبرها
ثروة قومية ، وشعرية ، وتشكيليه ..
وشجرة ثقافية نأكل من خيرها ..
ونتبارك بزيتها المقدس .

2
منذ الأربعينات
وأنا أواصل التنقيب عن الحب .
في أقاليمك التي لا تاريخ لها قبلي .
ولن يكون لها تاريخ بعدي .
كنت أبحث عن الماء والمرعى
تحت خيوط دشداشتك المشغولة بالأزهار ..
وعن تراث من الكحل .. والحزن .. والشعر ..
مخبأ في عينيك ..
من أيام امرئ القيس !! ..

3
منذ الأربعينات .
وأنا أنخل رمال جسدك الجميل
حبة .. حبه ..
رابية .. رابيه ..
زاوية .. زاويه ..
نبشت تحت إبطيك المكتظين بالحنطه ..
وتحت خاصرتك المكتوبة على البحر الطويل ..

4
نبشت عن المسك تحت الضفائر ..
تسللت نحو بيوت الحمام ..
وتحت صباغ الأظافر ..
وضيعت إسمي .. وعنوان بيتي ..
فهل صار منفاي بين الأساور ؟؟

5
منذ خمسين عاماً
وأنا أحفر بأظافري قارات العالم الخمس ..
من غابات الأمازون .. إلى مضيق جبل طارق ..
ومن جزر الكناري .. إلى جزر القمر ..
ومن مجاهل سيبيريا..
إلى جنوب إسبانيا ..

6
منذ خمسين عاماً
كان حروف الحاء ممنوعاً ..
وحرف الباء ممنوعاً ..
وجميل بثينة معتقلاً ..
وكثير عزة تحت الإقامة الجبريه ..
وولادة بنت المستكفي
محبوسة في سجن النساء !! ..

7
عندما بدأت أعمال التنقيب عن الحب ..
ونجحت تجاربي الأولى .
خاف أهل البلد على نسائهم ..
وخاف الرجال على رجولتهم ..
وخاف المثقفون والكتاب على وظائفهم ..
وخاف الأمريكيون على اسثمارتهم ..
وخاف الإنكليز على إمبراطوريتهم ..
وخاف أهلي على سمعتهم ..
قال أبي : إن مشاريعي خنفشاريه ..
فلا الحب يطعم خبزاً ..
لا الشعر يطعم خبزاً ..
وخشيت أمي أن تخطفني
إحدى حوريات البحر .. على كورنيش بيروت ..
وأن أموت بضربة نهد ..
في إحدى أمسياتي الشعريه !! ..

8
في الأربعينات .
لم يكن أحد في مدينتنا مقتنعاً
بأن الحب موجود تحت الأرض ..
أو فوق الأرض ..
المهندسون ضحكوا علي ..
والجيولوجيون ضحكوا علي ..
وذكور القبيلة تعوذوا بالله ..
وخافوا أن تخرج لهم النساء من بالوعة المطبخ ..
ويستلمن السلطة !! ..

9
في الأربعينات .
كانت المرأة تخاف أن تنظر إلى جسدها في
المرآة ..
حتى لا تشتهيه !! ..

10
في الأربعينات .
كانت القمع العاطفي في ذروته ..
فأبو زيد الهلالي
كان رقيباً على المطبوعات ..
وسيف بن ذي يزن
كأن يستعمل سيفه في ذبح أي نهد ..
يخرج على طاعة أمير المؤمنين !! ..

11
منذ خمسين عاماً ..
وأنا أعمل كشرنقة في غزل خيطان الأنوثه ..
حتى تهيأ لي ..
أن كل نساء العالم العربي
لا يلبسن إلا حرير قصائدي !! ..

12
في الأربعينات .
لم يكن أحد يجرؤ أن يرتكب قصيدة حب ..
أو يرسل أولاده إلى مدرسة الحب ..
أو يوظف قرشاً واحداً في بنك الحب ..
لا أحد كان مستعداً
أن يتورط في عشق امرأه ..
حتى لا يخسر عذريته ..
وشرفه العسكري ..
وأصواته الإنتخابيه !! ..

13
في الأربعينات .
كان الناس ضد الحب .. وضد الشعر .. وضدي ..
وكانت الإستثمارات العاطفية مغامرة مجنونه ..
كانت كتابة ديوان الشعر .. تعادل الفضيحه ..
وكانت قراءته جرماً موصوفاً ..
تنظر فيه محكمة الجنايات !! ..

14
النساء وحدهن ..
كن متحمسات لمشروعي ..
وكن يصلين .. ويضرعن إلى الله ..
حتى تنفتح أمامي أبواب الكنز المسحور ..
وتنفجر آبار الحب تحت أقدامي ..
فينتهي عصر الجفاف والملوحه ..
وتتغير خريطة الأرض .. وخريطة الإنسان ..
ونتحول من أمة يقتلها العطش ..
إلى أمة تغتسل بأمطار الحب !! ..

15
في الأربعينات .
كان الجاهليون قانعين بجاهليتهم ...
وذكور القبيلة قانعين بذكورتهم ..
أما نساء القبيله ..
فكن يحلبن مع النوق ..
ويسحقن بالمهباج مع البن ..
ويؤكلن مع ( البرياني ) .. والمزق ..
كأن الحب لعبة الرجل وحده ..
هو الذي يوزع الورق ..
وهو الذي يسرق ( الجوكرات ) ..
وهو الذي يهزم الجميع
ولكنه لا يهزم أبداً !! ..

16
قبل خمسين عاماً .
كانت مناداة المرأة باسمها الصغير ..
عوره ..
وحديثها على التلفون عوره ..
وحديثها مع نفسها عوره ..
وكان شاعر الحب العربي
يكتب وصيته ..
قبل أن يلامس ظفر حبيبته !! .

17
بعد خمسين عاماً ..
من انضمامي إلى حزب النساء ..
لا تزال أعمالي مزدهره ..
وقصائدي مزدهره ..
وحبيياتي ملء السمع والبصر ..
ولا يزال الأمريكيون ..
يحاولون أن يسحبوا امتيازي
للتنقيب عن الحب ..
ويجردوني من الرأسمال الوحيد الذي أملكه ..
شعري ..
وعشقي ..
وحريتي !! ..

الشاعر نزار قباني
القدس


بكيت.. حتى انتهت الدموع
صليت.. حتى ذابت الشموع
ركعت.. حتى ملّني الركوع
سألت عن محمد، فيكِ وعن يسوع
يا قُدسُ، يا مدينة تفوح أنبياء
يا أقصر الدروبِ بين الأرضِ والسماء

يا قدسُ، يا منارةَ الشرائع
يا طفلةً جميلةً محروقةَ الأصابع
حزينةٌ عيناكِ، يا مدينةَ البتول
يا واحةً ظليلةً مرَّ بها الرسول
حزينةٌ حجارةُ الشوارع
حزينةٌ مآذنُ الجوامع
يا قُدس، يا جميلةً تلتفُّ بالسواد

من يقرعُ الأجراسَ في كنيسةِ القيامة؟
صبيحةَ الآحاد..
من يحملُ الألعابَ للأولاد؟
في ليلةِ الميلاد..
يا قدسُ، يا مدينةَ الأحزان

يا دمعةً كبيرةً تجولُ في الأجفان
من يوقفُ العدوان؟
عليكِ، يا لؤلؤةَ الأديان
من يغسل الدماءَ عن حجارةِ الجدران؟
من ينقذُ الإنجيل؟
من ينقذُ القرآن؟
من ينقذُ المسيحَ ممن قتلوا المسيح؟
من ينقذُ الإنسان؟
يا قدسُ.. يا مدينتي
يا قدسُ.. يا حبيبتي

غداً.. غداً.. سيزهر الليمون
وتفرحُ السنابلُ الخضراءُ والزيتون
وتضحكُ العيون..
وترجعُ الحمائمُ المهاجرة..
إلى السقوفِ الطاهره
ويرجعُ الأطفالُ يلعبون
ويلتقي الآباءُ والبنون
على رباك الزاهرة..
يا بلدي..
يا بلد السلام والزيتون

الشاعر نزار قباني
الموجز في بلاغة النساء


1
لو تسكتين ..
لو تسكتين دقيقة ..
لو تسكتين ..
هذا الشريط سمعته ،
وحفظته ،
فتوقفي عن عزفه
من اجل رب العالمين .

2
أعطي لجسمك فرصة
ليقول أي قصيدة
غزلية يختارها ...
أو أي بيت شاء
من شعر الحنين .

3
أعطي لوجهك فرصة
حتى يدوخني بفتنته ..
ويغسلني بفضته
ويقرأ لي مساء
ما تيسر من كتاب الياسمين ..

4
أعطي لشعرك فرصة
ليدور حول الأرض ..
أو حولي ..
ملايين السنين ..

5
أعطي لعطرك فرصة
حتى يعبر عن مشاعره
بكل شجاعة ..
وتطرف ..
فالمطر مفتاح اليقين .

6
أعطي لثغرك فرصة
حتى يقدم مشمشاً ..
وسفرجلاً ..
وسلال الليمون
لكل الجائعين ..

7
أعطي لنهدك فرصة
حتى يحطم قيده
ويقود جيش الثائرين ..

8
أعطي لخصرك فرصة
حتى يثقفني ..
ويصقلني
ويشعرني بأني أنتمي
لحضارة المتحضرين ..

9
لو تسكتين ..
لو تسكتين دقيقة ، لو تسكتين
كل اللغات ، سوى الأنوثة ، كذبة
كل البلاغة كذبة .
كل الفصاحة كذبة .
كل الخطابة في سرير الحب ،
وقت ضائع ..
و مهانة للعاشقين ..

10
خلي فصاحتك القديمة ، جانباً
كل الكلام الفلسفي .. نسيته
إلا كلام الياسمين !!

قصيدة من الشاعر نزار القباني

أريدُ بندقيّه..

خاتمُ أمّي بعتهُ

من أجلِ بندقيه

محفظتي رهنتُها

من أجلِ بندقيه..

اللغةُ التي بها درسنا

الكتبُ التي بها قرأنا..

قصائدُ الشعرِ التي حفظنا

ليست تساوي درهماً..

أمامَ بندقيه..



أصبحَ عندي الآنَ بندقيه..

إلى فلسطينَ خذوني معكم

إلى ربىً حزينةٍ كوجهِ مجدليّه

إلى القبابِ الخضرِ.. والحجارةِ النبيّه

عشرونَ عاماً.. وأنا

أبحثُ عن أرضٍ وعن هويّه

أبحثُ عن بيتي الذي هناك

عن وطني المحاطِ بالأسلاك

أبحثُ عن طفولتي..

وعن رفاقِ حارتي..

عن كتبي.. عن صوري..

عن كلِّ ركنٍ دافئٍ.. وكلِّ مزهريّه..



أصبحَ عندي الآنَ بندقيّه

إلى فلسطينَ خذوني معكم

يا أيّها الرجال..

أريدُ أن أعيشَ أو أموتَ كالرجال

أريدُ.. أن أنبتَ في ترابها

زيتونةً، أو حقلَ برتقال..

أو زهرةً شذيّه

قولوا.. لمن يسألُ عن قضيّتي

بارودتي.. صارت هي القضيّه..



أصبحَ عندي الآنَ بندقيّه..

أصبحتُ في قائمةِ الثوّار

أفترشُ الأشواكَ والغبار

وألبسُ المنيّه..

مشيئةُ الأقدارِ لا تردُّني

أنا الذي أغيّرُ الأقدار



يا أيّها الثوار..

في القدسِ، في الخليلِ،

في بيسانَ، في الأغوار..

في بيتِ لحمٍ، حيثُ كنتم أيّها الأحرار

تقدموا..

تقدموا..

فقصةُ السلام مسرحيّه..

والعدلُ مسرحيّه..

إلى فلسطينَ طريقٌ واحدٌ

يمرُّ من فوهةِ بندقيّه



<<الصفحة الرئيسية